وهبة الزحيلي
9
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أي وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك ، جعلنا لكلّ نبيّ من قبلك أيضا أعداء ، فلا يحزنك ذلك ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ، فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا [ الأنعام 6 / 34 ] ، وقال تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [ الفرقان 25 / 31 ] ، وقال ورقة بن نوفل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه البخاري ومسلم : « إنه لم يأت أحد قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي » أي أنّ سنّة اللّه جرت على أن يكون بعض الناس أعداء للأنبياء وورثتهم ، وكلّ أصحاب دعوات الإصلاح في الأمور الدّينيّة والاجتماعيّة ، وهذا ما يعبّر عنه بتنازع البقاء وبقاء الأصلح ، كما قال تعالى : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [ الرّعد 13 / 17 ] . والعداوة سواء من شياطين الإنس والجنّ ، قال مجاهد وعكرمة وقتادة والحسن البصري : من الجنّ شياطين ، ومن الإنس شياطين ، يوحي بعضهم إلى بعض . وقال قتادة : بلغني أن أبا ذر كان يوما يصلّي ، فقال له النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « تعوّذ يا أبا ذرّ من شياطين الإنس والجنّ » فقال : أو إن من الإنس شياطين ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « نعم » « 1 » . وجاء في سورة البقرة : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ [ 14 ] . ثم ذكر تعالى أثر عداوة الشّياطين للأنبياء ، وهو مقاومتهم دعوة اللّه وهدايته ، فقال : يُوحِي بَعْضُهُمْ . . أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزيّن المزخرف ، وهو المزوّق الذي يغتّر سامعه من الجهلة بأمره ، وينخدع ويميل إلى رأي القائل ، ويتأثّر بإغراء الشياطين بالمعاصي . والوحي : الإيماء والقول السريع ، والزّخرف : الذي يكون باطنه باطلا ، وظاهره مزيّنا خادعا .
--> ( 1 ) ذكره الطبري وابن كثير ، ثم قال الأخير : وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذرّ ، وقد روي من وجه آخر عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ( تفسير الطّبري : 8 / 5 ، تفسير ابن كثير : 2 / 166 ) .